قال علي بن حمزة بن عبد الله الأسدي الكِسائي المتوفى سنة 189: دخلت على الرشيد ذات يوم وهو في إيوانه وبين يديه مال كثير قد شق عنه البُدر شقاً وأمر بتفريقه في خدم الخاصة، وبيده درهم تلوح كتابته وهو يتأمله، وكان كثيراً ما يحدثني، فقال: هل علمت من أول من سنّ هذه الكتابة في الذهب والفضة؟ قلت: يا سيدي هذا عبد الملك بن مروان، قال: فما كان السبب في ذلك؟ قلت: لا علم لي غير أنه أول من أحدث هذه الكتابة.
فقال: سأخبرك، كانت القراطيس للروم وكان أكثر من بمصر نصرانياً على دين الملك ملك الروم، وكانت تطرّز بالرومية وكان طرازها أبا وبنا وروحا قديسا، فلم يزل كذلك صدر الإسلام كله يمضي على ما كان عليه إلى أن ملك عبد الملك فتنبه عليه وكان فطناً، فبينا هو ذات يوم إذ مرّ به قرطاس فنظر إلى طرازه فأمر أن يترجم بالعربية ففُعل ذلك، فأنكره وقال: ما أغلظ هذا في أمر الدين والإسلام أن يكون طراز القراطيس وهي تحمل في الأواني والثياب، وهما تعملان بمصر وغير ذلك مما يطرّز من ستور وغيرها من عمل هذا البلد على سعته وكثرة ماله وأهله، تخرج منه هذه القراطيس فتدور في الآفاق والبلاد، وقد طرّزت بشرك مثبت عليها!
فأمر بالكتاب إلى عبد العزيز بن مروان، وكان عامله بمصر، بإبطال ذلك الطراز على ما كان يطرّز به من ثوب وقرطاس وستر وغير ذلك، وأن يأخذ صنّاع القراطيس بتطريزها بصورة التوحيد: شهد الله أنه لا إله إلا هو، وهذا طراز القراطيس خاصة إلى هذا الوقت لم ينقص ولم يزد ولم يتغير، وكتب إلى عمّال الآفاق جميعاً بإبطال ما في أعمالهم من القراطيس المطرزة بطراز الروم، ومعاقبة من وُجد عنده بعد هذا النهي شيء منها بالضرب الوجيع والحبس الطويل.
فلما أُثبتت القراطيس بالطراز المحدث بالتوحيد وحُمل إلى بلاد الروم منها، انتشر خبرها ووصل إلى ملكهم، فترجم له ذلك الطراز فأنكره وغلظ عليه فاستشاط غضباً، وكتب إلى عبد الملك: إن عمل القراطيس بمصر وسائر ما يطرز هناك للروم، ولم يزل يطرز بطراز الروم إلى أن أبطلته، فإن كان مَنْ تقدمك من الخلفاء قد أصاب فقد أخطأت، وإن كنت قد أصبت فقد أخطأوا، فاختر من هاتين الخلتين أيتهما شئت وأحببت، وقد بعثت إليك بهدية تشبه محلك وأحببت أن تجعل رد ذلك الطراز إلى ما كان عليه في جميع ما كان يطرز من أصناف الأعلاق حاجة أشكرك عليها وتأمر بقبض الهدية. وكانت عظيمة القدر.
فلما قرأ عبد الملك كتابه ردَّ الرسولَ وأعلمه أن لا جواب له ولم يقبل الهدية، فانصرف بها إلى صاحبه، فلما وافاه أضعف الهدية ورد الرسول إلى عبد الملك، وقال: إني ظننتك استقللت الهدية فلم تقبلها، ولم تُجبني عن كتابي فأضعفت لك الهدية، وأنا أرغب إليك في مثل ما رغبت فيه من رد هذا الطراز إلى ما كان عليه أولاً، فقرأ عبد الملك الكتاب ولم يجبه ورد الهدية، فكتب إليه ملك الروم يقتضي أجوبة كتبه، ويقول: إنك قد استخففت بجوابي وهديتي، ولم تسعفني بحاجتي، فتوهّمتك استقللت الهدية فأضعفتها، فجريت على سبيلك الأول، وقد أضعفتها ثالثة، وأنا أحلف بالمسيح لتأمرن برد الطراز إلى ما كان عليه، أو لآمرن بنقش الدنانير والدراهم، فإنك تعلم أنه لا يُنقش شيءٌ منها إلا ما ينقش في بلادي - ولم تكن الدراهم والدنانير نقشت في الإسلام - فينقش عليها مِن شتم نبيك ما إذا قرأتَه ارّفض جبينك له عرقاً، فأُحب أن تقبل هديتي وترد الطراز إلى ما كان عليه، وتجعل ذلك هدية بررتني بها، ونبقى على الحال بيني وبينك.
فلما قرأ عبد الملك الكتاب غلظ عليه وضاقت به الأرض وقال: أحسبني أشأم مولود ولد في الإسلام، لأني جنيت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، من شتم هذا الكافر ما يبقى غابر الدهر، ولا يمكن محوه من جميع مملكة العرب، إذ كانت المعاملات تدور بين الناس بدنانير الروم ودراهمهم.
وجمع أهل الإسلام واستشارهم فلم يجد عند أحد منهم رأياً يعمل به. فقال له رَوح بن زنباع: إنك لتعلم الرأي والمخرج من هذا الأمر ولكنك تتعمد تركه، فقال: ويحك من؟ قال: الباقر من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم! قال: صدقت، ولكنه أرتج عليّ الرأي فيه.
فكتب إلى عامله بالمدينة: أن أشخص إليّ محمد بن علي بن الحسين مكرماً، ومتّعه بمائتي ألف درهم لجهازه وبثلاثمائة ألف درهم لنفقته، وأزح علته في جهازه وجهاز من يخرج معه من أصحابه، واحتبس الرسول قبله إلى موافاته عليّ.
فلما وافى أخبره الخبر فقال له محمد بن عليّ: لا يعظمنّ هذا عليك، فإنه ليس بشيء من جهتين: إحداهما أن الله جل وعز لم يكن ليطلق ما يهددك به صاحب الروم في رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأخرى وجود الحيلة فيه. قال: وما هي؟ قال: تدعو في هذه الساعة بصناع يضربون بين يديك سككاً للدراهم والدنانير، وتجعل النقش عليها سورة التوحيد وذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، أحدهما في وجه الدرهم والدينار والآخر في الوجه الثاني، وتجعل في مدار الدرهم والدينار ذكر البلد الذي يضرب فيه، والسنة التي يضرب فيها تلك الدراهم والدنانير، وتعمد إلى وزن ثلاثين درهماً عدداً من الثلاثة الأصناف التي العشرة منها عشرة مثاقيل، وعشرة منها وزن ستة مثاقيل، وعشرة منها وزن خمسة مثاقيل، فتكون أوزانها جميعاً واحداً وعشرين مثقالاً، فتجزئها من الثلاثين فتصير العدة من الجميع وزن سبعة مثاقيل، وتصب سَنجات من قوارير - أي زجاج - لا تستحيل إلى زيادة ولا نقصان، فتضرب الدراهم على وزن عشرة والدنانير على وزن سبعة مثاقيل.
وكانت الدراهم في ذلك الوقت إنما هي الكسروية التي يقال لها اليوم البغلية لأن رأس البغل ضربها لعمر بن الخطاب رحمه الله، بسكة كسروية في الإسلام، مكتوب عليها صورة الملك وتحت الكرسي مكتوب بالفارسية: نوش خر، أي كل هنئياً، وكان وزن الدرهم منها قبل الإسلام مثقالاً، والدراهم التي كان وزن العشرة منها وزن ستة مثاقيل، والعشرة وزن خمسة مثاقيل، هي السميرية الخفاف والثقال، ونقشها نقش فارس.
ففعل عبد الملك ذلك، وأمره محمد بن علي بن الحسين أن يكتب السكك في جميع بلدان الإسلام، وأن يتقدم إلى الناس في التعامل بها وأن يُتهددوا بقتل من يتعامل بغير هذه السكك من الدراهم والدنانير وغيرها، وأن تبطل وترد إلى موضع العمل حتى تعاد على السكك الإسلامية، ففعل عبد الملك ذلك، وردّ رسول ملك الروم إليه يعلمه بذلك ويقول: إن الله جل وعز مانعك مما قدرت أن تفعله، وقد تقدمت إلى عمالي في أقطار الأرض بكذا وكذا وبإبطال السكك والطراز الرومية.
فقيل لملك الروم: افعل ما كنت تهددت به ملك العرب، فقال: إنما أردت أن أغيظه بما كتبت به إليه لأني كنت قادراً عليه والمال وغيره برسوم الروم، فأما الآن فلا أفعل لأن ذلك لا يتعامل به أهل الإسلام،وامتنع من الذي قال، وثَبَتَ ما أشار به محمد بن علي بن الحسين إلى اليوم.
kingegypt2050 عاشق التراث و كل قديم ونادر و عاشق الانتيكات
جمهورية مصر العربية - الاسكندرية 0020126246955 my1000m@yahoo.com & kingegypt2050@yahoo.com
افخر لاكون عضو بهذا المنتدى المشرف اكستريم لكل قديم موقع كل العرب من المحيط للخليج